الشيخ محمد هادي معرفة

52

تلخيص التمهيد

ائتلاف قومه . ويقال : إنَّ شيطاناً أبيض هو الذي تمثَّل للنبي في صورة جبرائيل وألقى عليه تينك الكلمتين . ويقال : كان النّبي صلى الله عليه وآله يصلّي عند المقام إذ نعس نعسة فجرت على لسانه هاتان الكلمتان من غير شعور بهما . ويقال : إنّ النّبي صلى الله عليه وآله هو الَّذي تكلَّم بهما من تلقاء نفسه حرصاً على ائتلاف قلوب المشركين . ثمَّ ندم من فعله هذا الَّذي كان افتراءً على اللَّه ! ويقال : إنَّ الشيطان أجبره على النطق بهذا الكلام . . . الخ . ثمَّ لمّا أمسى اللَّيل أتاه جبرائيل ، فقال له : أعرض عليَّ السُّورة . فجعل النبي صلى الله عليه وآله يقرأها عليه حتّى إذا بلغ الكلمتين قال جبرائيل : مه ، من أين جئت بهاتين الكلمتين ؟ فتندَّم رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وقال : لقد افتريت على اللَّه ، وقلت على اللَّه مالم يقل ؟ ! فحزن حزناً شديداً ، وخاف من اللَّه خوفاً كبيراً . ويقال : إنَّ النبي صلى الله عليه وآله قال لجبرائيل : إنَّه أتاني آتٍ على صورتك فألقاها على لساني . فقال جبرائيل : معاذ اللَّه أن أكون أقرأتك هذا . . . فاشتدّ ذلك على رسول اللَّه . فنزلت : « وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا . وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا . إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً » « 1 » . فاشتدَّ حزن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله على هذه البادرة المباغتة ، ولم يزل مغموماً مهموماً حتّى نزلت عليه « وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ » « 2 » ، وكانت تسليةً لقلبه الحزين ، فعند ذلك سرى عنه الهمّ وطابت نفسه « 3 » .

--> ( 1 ) الإسراء : 73 - 75 . ( 2 ) الحج : 52 . ( 3 ) تفسير الطبري : ج 17 ص 131 - 134 ، الدرّ المنثور : ج 4 ص 194 وص 366 - 368 ، فتح الباري بشرح البخاري : ج 8 ص 333 .